الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
123
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يبلغ صاحبه أشدّه أي فيسلم إليه ، كما قال تعالى في الآية الأخرى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] الآية . ووجه تخصيص حقّ اليتيم في ماله بالحفظ : أنّ ذلك الحقّ مظنّة الاعتداء عليه من الولي ، وهو مظنة انعدام المدافع عنه ، لأنّه ما من ضعيف عندهم إلّا وله من الأقارب والموالي من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده ، فأمّا اليتيم فإنّ الاعتداء عليه إنّما يكون من أقرب النّاس إليه ، وهو وليّه ، لأنّه لم يكن يلي اليتيم عندهم إلّا أقرب النّاس إليه ، وكان الأولياء يتوسّعون في أموال أيتامهم ، ويعتدون عليها ، ويضيعون الأيتام لكيلا ينشئوا نشأة يعرفون بها حقوقهم ، ولذلك قال تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [ الضحى : 6 ] لأنّ اليتيم مظنّة الإضاعة فلذلك لم يوص اللّه تعالى بمال غير اليتيم ، لأنّ صاحبه يدفع عن نفسه ، أو يستدفع بأوليائه ومنجديه . وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ . عطف الأمر بإيفاء الكيل والميزان ، وذلك في التّبايع ، فقد كانوا يبيعون التّمر والزّبيب كيلا ، وكانوا يتوازنون الذّهب والفضّة ، فكانوا يطفّفون حرصا على الرّبح ، فلذلك أمرهم بالوفاء . وعدل عن أن يأتي فيه بالنّهي عن التّطفيف كما في قول شعيب : وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [ هود : 84 ] إشارة إلى أنّهم مأمورون بالحدّ الذي يتحقّق فيه العدل وافيا ، وعدم النّقص يساوي الوفاء ، ولكن في اختيار الأمر بالإيفاء اهتماما به لتكون النّفوس ملتفتة إلى جانب الوفاء لا إلى جانب ترك التّنقيص ، وفيه تذكير لهم بالسّخاء الذي يتمادحون به كأنّه قيل لهم : أين سخاؤكم الذي تتنافسون فيه فهلا تظهرونه إذا كلتم أو وزنتم فتزيدوا على العدل بأن توفّروا للمكتال كرما بله أن تسرقوه حقّه . وهذا تنبيه لهم على اختلال أخلاقهم وعدم توازنها . والباء في قوله : بِالْقِسْطِ للملابسة والقسط العدل ، وتقدّم عند قوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ في سورة آل عمران [ 18 ] ، أي أوفوا متلبّسين بالعدل بأن لا تظلموا المكتال حقّه . لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . ظاهر تعقيب جملة : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إلخ بجملة : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أنّها متعلّقة بالتي وليتها فتكون احتراسا ، أي لا نكلّفكم تمام القسط في الكيل والميزان بالحبّة